عماد الدين خليل
323
دراسة في السيرة
القرآنية قد نزلت - أخيرا - تندد بما فعل ويفعل أولئك المنافقون ، وتمزق - بشكل نهائي - الأستار التي يتوارون خلفها . وكانت ألاعيبهم قبل تبوك وبعدها هي النهاية الحاسمة للسماحة التي مرحوا في سعتها طويلا ولم يقدروها حتى قدرها ، وأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يعلن على الناس ذبذبتهم ونكوصهم ، وكلف ألا يقبل منهم ولا يصلي عليهم « 1 » ، بل أعلم أن استغفاره لهم لن يجاب ، ثم طولب المسلمون كافة أن يقاطعوهم « 2 » . إلا أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما أن توفي حتى وجد المنافقون المنسربون في حنايا المجتمع الجديد ، والذين ازداد عددهم كثرة في أعقاب انتصار الإسلام الحاسم وتفرده بالسلطان ، حيث انتمى إليه الكثيرون من العرب رغبا ورهبا ، وهم لا يزالون يحملون عاداتهم وممارساتهم القديمة وتسيبهم وانفلاتهم الجاهلي المعروف ، وجدوا فرصتهم السانحة فراحوا يتكالبون ، كما تكالب غيرهم من أعداء الإسلام ضد الدولة التي مات قائدها ومؤسسها ، وليس أدل في هذا المجال من حديث عائشة رضي اللّه عنها حيث تقول : « لما توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ارتدت العرب ، واشرأبت اليهودية والنصرانية ، ونجم النفاق ، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم صلى اللّه عليه وسلم حتى جمعهم اللّه على أبي بكر » « 3 » . ومن ثم فإن لنا أن نتصور حجم الدور الذي مارسه المنافقون في حركات الردة والتنبؤ في عهد أبي بكر . . وفيما بعد ، في الفتنة التي زعزعت أركان الخلافة الراشدة ، وهو ولا ريب دور كبير وخطير بمجرد أن نطلع على التكوين القلبي للمنتمين إلى الفتنة وعلى أسماء قادتها وزعمائها ! !
--> ( 1 ) سورة التوبة : الآية 84 . ( 2 ) الغزالي : فقه السيرة ص 448 . وانظر دروزة 2 / 82 . ( 3 ) ابن هشام : ص 404 .